الشيخ محمد هادي معرفة
75
تلخيص التمهيد
حاصلة لهم على جهة الاستمرار لكن اللَّه تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم . وثانيهما أن يقال : إنّ تلك العلوم ما كانت حاصلة لهم : خلا أنّ اللَّه تعالى صرف دواعيهم عن تجديدها مخافة أن تحصل المعارضة . التفسير الثالث : أن يراد بالصرفة أنّ اللَّه تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة مع كونهم قادرين وسلب قواهم عن ذلك ، فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة ، وحاصل الأمر في هذه المقالة : أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن ، إلّا أنّ اللَّه تعالى منعهم بما ذكرناه . . . « 1 » وحاصل الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة ، أنّ الصرف على الأوّل : عبارة عن عدم إثارة الدواعي الباعثة على المعارضة . كانوا مع القدرة عليها ، ووفرة الدواعي إليها ، خائري القوى وخاملي العزائم عن القيام بها ، وهذا التثبيط من عزائمهم وصرف إرادتهم كان من لطيف صنعه تعالى ، ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون . وعلى التفسير الثاني : كانوا قد أعوزتهم عمدة الوسائل المحتاج إليها في معارضة مثل القرآن ، وهي العلوم والمعارف المشتمل عليها آياته الحكيمة ، حتى أنّهم لو كانت عندهم شيء منها فقد أُزيلت عنهم ومحيت آثارها عن قلوبهم ، أو لم تكن عندهم ولكنّهم صرفوا عن تحصيلها من جديد خشية أن تقوم قائمتهم بالمعارضة . وعلى الثالث : أنّ الدواعي كانت متوفّرة ، والأسباب والوسائل المحتاج إليها للمعارضة كانت حاضرة لديهم ، لكنّهم منعوا عن القيام بالمعارضة منع إلجاء ، وقد أمسك اللَّه بعنان عزيمتهم قهراً عليهم رغم الأُنوف . قلت : والمعقول من هذه التفاسير - نظراً لموقع أصحاب هذا الرأي من الفضيلة والكمال - هو التفسير الوسط ، لكن بمعنى أنّهم افتقدوا وسائل المعارضة لقصورهم بالذات
--> ( 1 ) . الطراز : ج 3 ص 391 - 392 .